ماذا يمكن لبنان أن يحمل إلى كوبنهاغن؟
بقلم نجيب صعب*
النهار- 11-12-2009
ليست اثنتا عشرة سنة هي الفاصل الوحيد بين كيوتو 1997 وكوبنهاغن 2009. فحين يلتقي مئة رئيس دولة في كوبنهاغن الأسبوع المقبل، لينضموا إلى وفود من 192 بلداً، لن يتناقشوا في ما إذا كان المناخ يتغير أم لا، ولن يتناقشوا في مستوى تخفيض انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون المطلوبة لوقف ارتفاع الحرارة عند حدود الخطر. النقاش اليوم محصور في تحديد من يدفع ثمن التدابير المطلوبة.
وفي حين كانت الولايات المتحدة هي "الملوث الأكبر" حين اجتمع العالم في كيوتو، احتلت الصين المرتبة الأولى في حجم الانبعاثات اليوم. وإذ لم يتجاوز عدد الصحافيين الذين غطوا كيوتو الخمسمئة، وصل عدد المراسلين المسجلين في قمة كوبنهاغن إلى خمسة آلاف. وفي حين كانت البيئة موضوعاً خجولاً في الصفحات الداخلية للصحف، احتلت اليوم الصفحات الأولى ومقدمات نشرات الأخبار، وأصبحت على جدول أعمال الحكومات والجمهور على السواء.
الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، التي تمثل الاجماع العلمي حول الموضوع، أكدت في تقريرها الرابع عام 2007 أن المناخ يتغير بسبب النشاطات البشرية. وقد يكون صديقنا محمد الصبان، المفاوض السعودي البارع، الوحيد الذي ما زال يقاتل ضد التيار، متخذاً من آراء قلة من المشككين ذريعة لعدم القبول بالاجماع العلمي حول تغير المناخ، تماماً كما كان البعض قبل سنوات قليلة يشكك بمضار التدخين. وأرجو أن يكون قد قرأ الأرقام التي نشرتها مصلحة الأرصاد البريطانية هذا الأسبوع من أن السنوات العشر الأخيرة كانت الأكثر حرارة خلال 160 عاماً، وسنة 1998 كانت الأكثر حراً على الاطلاق منذ بدء تدوين سجلات الطقس.
لقد ازدادت تركيزات ثاني أوكسيد الكربون في الغلاف الجوي من نحو 280 جزءاً في المليون في عصر ما قبل التصنيع الى نحو 430 حالياً. أما على مستوى 550 جزءاً في المليون، الذي يمكن بلوغه في وقت مبكر لا يتعدى سنة 2035، فقد يرتفع معدل درجات الحرارة العالمية بأكثر من درجتين مئويتين. وبموجب سيناريو التجاهل، فإن مخزون غازات الدفيئة يمكن أن يتعدى ثلاثة أضعاف مع نهاية القرن، مما يرفع معدل الحرارة أكثر من 5 درجات مئوية خلال العقود المقبلة. ولتفادي هذا، يجب العمل على عدم تجاوز التركيزات 450 جزءاً في المليون.
وارتفاع حرارة مياه المحيطات قد يرفع مستوى البحار 59 سنتيمتراً بحلول سنة 2100 على نحو تدريجي، أو حتى خمسة أمتار اذا ما أُخذ في الحسبان ذوبان جزء من الصفيحة الجليدية في القارة المتجمدة الجنوبية. وإذا انهارت أجزاء من جبال الجليد، فقد يحصل ارتفاع مفاجئ في البحار.
ويرى عدد من الدراسات الحديثة أن تقديرات التقرير التقييمي الرابع الذي أصدرته الهيئة عام 2007 كانت متحفظة كثيراً، وأن التوقعات يجب أن تُعدَّل لتعكس تأثيرات أقوى. فعلى سبيل المثال، ارتفعت انبعاثات الدول النامية بسرعة أكبر كثيراً مما كان يُعتقد سابقاً، ومن المتوقع الآن أن تتجاوز انبعاثات الدول المتقدمة بحلول سنة 2010. نقطة التقاطع هذه كانت متوقعة من قبل لسنة 2020 أو حتى لما بعدها.
النتائج الاقتصادية للتقاعس ضخمة، إذ يقدَّر أنه مقابل كل ارتفاع في معدل درجات الحرارة العالمية مقداره درجة مئوية واحدة، سينخفض النمو الاقتصادي بما بين 2 و3 في المئة. ويقدر الاستطلاع الاقتصادي والاجتماعي العالمي الذي أصدرته الأمم المتحدة سنة 2009 تكاليف التخفيف والتكيف بواحد في المئة من الناتج الاجمالي العالمي، وهذه نسبة صغيرة بالمقارنة مع تكاليف وأخطار تأثيرات تغير المناخ. واذا تأخر اتخاذ اجراءات سريعة من خلال الاستمرار في سيناريو التجاهل الحالي، أو حصل تغيير هامشي فقط، فإن الخسارة الدائمة للناتج الاجمالي العالمي المتوقع يمكن أن ترتفع كثيراً لتبلغ 20 في المئة. هذه الأرقام سوف تقزِّم خسائر الانهيار الاقتصادي خلال عامي 2008 و2009. والمعضلة هي أن الشعور بتأثيرات تغير المناخ سوف يكون أكثر حدة في البلدان النامية، التي تمتلك القدرة الأقل على التغلب على المشاكل والتكيف معها، تكنولوجياً ومالياً. وهذا يجعل نقل التكنولوجيا وتخصيص البرامج المالية الملائمة ضروريين لأي اتفاقية عالمية أو اجراء فعال للتعامل مع تغير المناخ.
وقد أكد التقرير الذي صدر عن المنتدى العربي للبيئة والتنمية أن تحدي تغير المناخ يجب معالجته كأي قرار آخر يُتخذ في مواجهة الشك، أي من وجهة ادارة المخاطر أو نظام التأمين. وباستخدام مبدأ التأمين، فما دامت هناك أرجحية كافية لحدوث ضرر جوهري، علينا اتخاذ اجراءات وقائية مدروسة تكون تكاليفها مبرّرة تماماً. والمطلوب هو تقييم صادق لمستوى التأمين الذي يعتبر ضرورياً للوقاية، مع مقدار مقبول من الشك، ضد تأثيرات تغير المناخ. والشك ليس عذراً للتقاعس، ويجب ألا يكون كذلك.
ودعا التقرير الدول العربية، ومنها لبنان، إلى تكثيف الجهود في القطاعات الرئيسية التالية المتأثرة بتغير المناخ:
- الموارد المائية: تحسين الكفاءة، خصوصاً في الري الذي يستخدم نسبة 70 في المئة من المياه يمكن تخفيضها الى 40 في المئة، وتطوير موارد مائية جديدة، بما في ذلك تكنولوجيات مبتكرة لتحلية المياه المالحة.
- إنتاج الغذاء: تطوير أصناف جديدة من المحاصيل تستطيع التكيف مع ارتفاع درجات الحرارة وتبدل الفصول، وتحتاج الى مياه أقل، وتتحمل ارتفاع مستويات الملوحة.
- ارتفاع مستوى البحار: تكييف أنظمة استخدامات الأراضي بما يتماشى مع الارتفاع المحتمل في مستوى البحار، من خلال زيادة الحد الأدنى للمسافة الفاصلة بين الأبنية والخط الساحلي.
- البنية التحتية والأبنية: عند اختيار مواد وتقنيات الانشاء التي تستخدم في الأبنية والطرقات وشبكات المنافع، يجب مراعاة خطر ارتفاع درجات الحرارة وهبوب العواصف، لجعلها قادرة على مقاومة تأثيرات تغير المناخ. ويجب أن يكون ما حصل في مدينة جدة السعودية من فيضانات نتيجة السيول، وقبلها في دبي بسبب تدفق مياه الصرف غير المعالجة إلى البحر، دافعاً لضرورة تحديث البنى التحتية لمواجهة التأثيرات المحتملة لتغير المناخ، وهي أكبر بكثير مما نعانيه اليوم.
- التنوع البيولوجي: تطوير آليات لتنسيق إجراءات الحماية عبر الحدود السياسية، لدعم بقاء الأنواع الحية وقدرتها على التكيف، وانشاء بنك اقليمي للموارد الجينية.
- الصحة البشرية: إجراء البحوث المتخصصة وتكييف النظم الصحية البشرية وضمان جهوزيتها للاستجابة لعواقب تغير المناخ، خصوصاً انتشار ناقلات الأمراض، اضافة الى أمراض الحساسية والأمراض الرئوية التي يسببها ازدياد موجات الجفاف والعواصف الرملية.
- السياحة: استكشاف وترويج خيارات لسياحة بديلة أقل تأثراً بتغير المناخ، مثل السياحة الثقافية والتراثية، والحرص على كفاءة الطاقة. وعلى البلدان التي لديها مناطق ساحلية منخفضة أن تطور مقاصد سياحية داخلية بديلة.
وفيما يؤيد التقرير وجهة النظر القائلة بأن البلدان المتقدمة يجب أن تكون في طليعة الجهد العالمي المتعلق بتغير المناخ، يجب على البلدان النامية أيضاً أن تؤدي دورها. وفضلاً عن ذلك، وفيما لجميع البلدان حق مشروع في التنمية الاقتصادية، فهذا يجب ألا يتعارض مع استراتيجيات خفض الانبعاثات. وبمساعدة البلدان المتقدمة، يجب على البلدان النامية أن تكون قادرة على خفض كثافة انبعاثاتها الكربونية لوضعها على مسار يفضي الى تنمية مستدامة، من خلال اتفاقية ملزمة قانونياً. لكن من الواضح أن البلدان النامية مترددة في التقيد بأي التزامات تضع قيوداً جوهرية على نموها الاقتصادي. وهي تشير الى مسؤولياتها ذات الأولوية المتعلقة بتوفير فرص عمل ومستويات معيشة أفضل لشعوبها.
وفي الوقت ذاته، لن تقبل البلدان المتقدمة، وعلى الخصوص الولايات المتحدة، اتفاقية تتعلق بتغير المناخ يُسمح فيها لمطلقي الانبعاثات الكبار بين البلدان النامية، وخاصة الصين والهند، بالاستمرار في التنمية القائمة على التجاهل. يجب أن يكون هناك أخذ وعطاء بين المجموعتين المتقدمة والنامية.
غير أن البارز أن الصين والهند التزمتا خلال الأسابيع الأخيرة، لأول مرة، بتخفيض الانبعاثات المتوقعة بين 2005 و2020 بنسبة 40 في المئة للأولى و24 في المئة للثانية. وقد تكون هذه بداية لمفاوضات جدية، إذ لم يعد جائزاً أن تستمر الدول النامية التي أخذت اقتصادات بعضها بالتطور على نحو غير مسبوق، في الاستمرار في التفلت من أية قيود ملزمة للانبعاثات، والمطالبة بتمديد فترات السماح. فزمن كيوتو انتهى، وخلال خمسين سنة سيصبح العالم النامي المصدر الأكبر لغازات الاحتباس الحراري.
في بداية هذا الأسبوع، تسربت مسودة اتفاقية تحاول مجموعة من الدول المتقدمة تسويقها في كوبنهاغن، وهي تعطي الدول الغنية قدراً أكبر من النفوذ وتقلل من صلاحيات الأمم المتحدة في أية مفاوضات مستقبلية. ووفق المسودة، فبحلول سنة 2050 سيحق للفرد في الدول المتقدمة توليد ضعفي حجم الانبعاثات مقارنة بالفرد في الدول النامية. لا أمل لهذا الطرح أن يمر، فهو مرفوض من الدول النامية كما أنه لن يحظى بقبول الخبراء والجمهور في الدول الغنية. المطلوب تخفيض أكبر للانبعاثات في الدول الغنية، وافساح المجال للدول النامة في التطور. سيصل عدد سكان العالم سنة 2050 الى تسعة مليارات، بينهم ثمانية مليارات في الدول النامية. لا يمكن الطلب الى هؤلاء المساهمة بالحد من الانبعاثات بالبقاء بلا كهرباء ومواصلات وخدمات أساسية، لدعم استمرار نمط الحياة المنفلت في الدول الغنية. على أي اتفاق قابل للحياة أن يكون عادلاً.
للدول النامية الحق الكامل بتطوير اقتصاداتها وتنمية شعوبها. ولها حق على الدول المتقدمة بطلب المساعدة الانمائية المتراكمة الموعودة، التي تم اقرارها قبل عصر مشاكل تغير المناخ. ففي عام 1970 أقرت الأمم المتحدة بالاجماع نسبة 0,7 في المئة من الناتج القومي في الدول المتقدمة كمساعدات سنوية للدول النامية. منذ ذلك الوقت، لم تتجاوز النسبة الفعلية 0,2 في المئة. فالفواتير المتراكمة كبيرة، والمطلوب اليوم بين مئة ومئتي مليار دولار اضافية سنوياً مساعدات إضافية لتخفيف مسببات تغير المناخ والتكيف معها. وعدا عن المساعدات المالية الضرورية، فالدول النامية تحتاج إلى نقل التكنولوجيا لتضع قيد العمل أساليب فعالة للتعامل مع تحديات تغير المناخ.
أما في العالم العربي، فخط التنمية الوحيد المستدام هو نمط التنمية الخضراء، التي تؤمن التحول من "الاقتصاد الافتراضي" في بعض دول المنطقة الى اقتصاد واقعي، يؤمن التنوع في مصادر الدخل، ويخلق فرص عمل ثابتة. ويشمل الاقتصاد الأخضر برامج لكفاءة استهلاك الطاقة واستخدامات الطاقة المتجددة والعمارة الخضراء وتطوير البنى التحتية وادارة المياه والغابات.
أما الهلع الذي تظهره بعض الدول المصدرة للبترول من كل اتفاق للحد من انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون، وكأنه مؤامرة ضدها، فقد تحول في حالات كثيرة إلى "عقدة اضطهاد" لا مبرر اقتصادياً لها. فحتى لو توصلت قمة كوبنهاغن إلى الاتفاق على الحد الأقصى لوقف انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون عند حدود 450 جزء في المليون، سيرتفع انتاج النفط 11 مليون برميل إضافي سنة 2030، وستتضاعف أرباح دول منظمة أوبك أربع مرات.
ماذا يمكن لبلد صغير مثل لبنان أن يفعل في قمة كوبنهاغن؟ قبل البيان الوزراي الأخير الذي التزم بالتعامل الجدي مع قضية تغير المناخ، والمواقف التي أطلقها رئيس الجمهورية، وانعقاد مؤتمر المنتدى العربي للبيئة والتنمية حول تغير المناخ في بيروت، كان من الصعب الاجابة عن هذا السؤال جدياً. أما وقد التزمت الدولة اللبنانية على أعلى المستويات بمجابهة تحديات التغير المناخي، وأصدر أكبر تجمع اقليمي علمي تقريره وتوصياته حول تغير المناخ من بيروت، فقد أصبح للبنان دور آخر، على المستويين الاقليمي والدولي.
يمكن للبنان، أولاً، أن يساهم في صياغة موقف عربي واضح للمفاوضات الدولية بشأن تغير المناخ، للتوصل الى اتفاقية فعالة لما بعد كيوتو، تضمن عدم زيادة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الى مستوى الخطورة وتنفيذ ما يسعى اليه العالم من حصر ارتفاع الحرارة العالمية في أقل من درجتين مئويتين، وتساعد البلدان النامية، بما فيها البلدان العربية، على التكيف مع التأثيرات السلبية لتغير المناخ.
ويمكنه أن يعمل مع المجموعة العربية على برامج للاستخدام الرشيد لموارد النفط والغاز القيّمة والمحدودة على الكوكب، والاستثمار في تطوير تقنيات فعالة للاستخدام الأنظف للوقود، ووضع برامج لكفاءة الطاقة التقليدية والطاقة المتجددة، بما فيها الشمس والرياح.
ويمكن لبنان أن يكون أول بلد عربي ينشئ مجلساً أعلى لتغير المناخ، بمشاركة جميع الوزارات المعنية، يرأسه رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة، لاقرار السياسات ومتابعة التنفيذ، وانشاء هيئة تقنية تزود المجلس بتقييمات حول تغير المناخ وردود الفعل الممكنة.
ويمكن للبنان أن يعمل على انشاء مركز اقليمي لتنسيق البيانات والأبحاث والمعارف العلمية في موضوع تغير المناخ، ولعب دور فعال في نشاطات الأبحاث والتدريب لاعداد الكوادر الفنية اللازمة وانشاء قواعد بيانات مناخية.
واثباتاً لالتزامها، يمكن للحكومة اللبنانية أن تصدر خلال أسابيع قليلة قرارت باعفاء السيارات الهجينة (هايبريد) من الرسوم الجمركية ورسوم الميكانيك، وتطبيق نظام حوافز ضريبية على المعدات والأدوات والآليات والمواد الموفرة في استهلاك الطاقة، بالتوازي مع زيادة الرسوم على تلك الأكثر تلويثاً. والمطلوب سريعاً تطوير النقل العام، واعادة خط السكك الحديدية الساحلي، بعد هدم جميع الأبنية المخالفة، وتطوير قوانين البناء لفرض كفاءة استهلاك الطاقة وتوسيع المساحات الخضراء، بما فيها السطوح الخضراء في المدن، وتحرير احتكار انتاج الطاقة للافساح في المجال أمام الاستثمارات الخاصة في الطاقة المتجددة مثل الشمس والرياح وتغذية الشبكة العامة بها مباشرة. كما يمكن وضع أهداف محددة مثل تحسين كفاءة الطاقة بنسبة 40 في المئة والاعتماد على الطاقة المتجددة بنسبة 20 في المئة بحلول سنة 2020.
حين يحمل لبنان هذه الالتزامات الجدية والواقعية، يمكنه أن يطالب بالدعم المالي والتكنولوجي للتخفيف من مسببات تغير المناخ والتصدي لنتائجه.
العالم ليس مقبلاً على الانتحار، وستنتهي قمة كوبنهاغن إلى خطة طريق واضحة وملزمة لوقف الكارثة. فالكل يعرف الآن أن الانتظار لم يعد خياراً.
*أمين عام المنتدى العربي للبيئة والتنمية |