كتابات اخبار و مقابلات الكتب الافتتاحيات الصفحة الرئيسية
    English version  
       

للتواصل الافلام الصور السيرة رئيس تحرير مجلة البيئة والتنمية
امين عام المنتدى العربي للبيئة والتنمية
الافتتاحيات

البيئة العربية في 10 سنين
وضع البيئة في العالم العربي تراجع في جوانب كثيرة، لكنه أحرز تقدماً على بعض الجبهات. هذا هو الاستنتاج الرئيسي الذي توصل إليه التقرير الجديد للمنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) وعنوانه "البيئة العربية في عشر سنين". وهذا التقرير هو العاشر في السلسلة السنوية عن وضع البيئة العربية، التي أطلقها "أفد" عام 2008.
المفكرة البيئية
البيئة في وسائل الاعلام العربي
الأمن القومي قبل المناخ يسرِّع التحوُّل إلى الطاقة المتجددة

نجيب صعب، أيلول 2026

أدَّت أزمة الطاقة العالمية غير المسبوقة، التي تسببت بها الحروب في أوكرانيا والخليج، إلى تسريع خطط التحوُّل الطاقي، حيث دفع النقص في الامدادات وارتفاع الأسعار التوجُّه إلى مصادر الطاقة المتجددة بعيداً عن النفط والغاز. فالشمس والرياح مصادر محلية وآمنة ولامركزية، لا تعتمد على محطات إنتاج كبيرة أو سلاسل لوجستية عالمية معقدة، مما يجعلها أقل عرضة للحوادث والنزاعات المسلحة.

وقد تجلى ذلك بالفعل في أوروبا خلال السنوات الأخيرة. فالدول الأقل تأثراً بنقص الغاز والنفط وارتفاع أسعارهما كانت تلك التي تتمتع بحصة أعلى من الطاقة المتجددة في مزيجها الطاقي، خصوصاً في مجال الكهرباء. ففي 2026 تجاوزت مصادر الطاقة المتجددة 50 في المئة من مزيج الطاقة في الاتحاد الأوروبي، بقيادة النمسا والسويد والدنمارك والبرتغال واليونان وإسبانيا (بين 60 و90 في المئة).

ويظهر النمط نفسه في الصين، حيث تجاوزت الكهرباء من الطاقة المتجددة هذا الشهر، للمرة الأولى، حصة الفحم الحجري في إنتاح الكهرباء. ويتسارع التحوُّل العالمي إلى الطاقة المتجددة رغم الحملة الأميركية ضد تدابير خفض الكربون والعمل المناخي. واللافت أن الاندفاعة الحالية نحو مصادر الطاقات المتجددة انطلقت من عوامل أمنية واقتصادية ناجمة عن النزاعات في أوكرانيا والخليج، أكثر من الالتزامات المناخية.

في منتصف حزيران (يونيو) أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن «أسعار النفط ستهبط كالصخرة». لكن بعد ثلاثة أشهر أصبح النقص وارتفاع الأسعار هما القاعدة. ولم تستفد الدول المنتجة من هذه الأسعار المرتفعة، بسبب زيادة تكاليف الشحن والتأمين، إلى جانب رسوم العبور والشروط الابتزازية من هنا وهناك. وقد عزز هذا المأزق، إلى جانب الاعتبارات المناخية، الاهتمام بالطاقة المتجددة الخاضعة للسيطرة المحلية وبالمحطات اللامركزية الأصغر حجماً.

ولا بد، بعد أن تهدأ فوضى الحروب والاضطرابات العالمية، من استخلاص الدروس لتخطيط اقتصاد يتمتع بقدرة الاستدامة على المدى الطويل، لا أن تبقى تدابير الدول، المنتجة والمستهلكة، مجرد ردود فعل وقتية على الكوارث. وسيظل الاقتصاد الأخضر شعاراً ما لم يرتكز على إدارة سليمة للموارد واحترام حدود الطبيعة. ومن المفاهيم الخاطئة الشائعة، التي تروّج لها بعض شركات الاستشارات العالمية العاملة في الدول العربية، أن التكنولوجيا وحدها قادرة على تحقيق الاستدامة من دون تغيير أنماط الاستهلاك. وقد أنتج هذا النهج مشاريع استهلاكية مسرفة في استنزاف الموارد الطبيعية، مثل عشرات ملاعب الغولف المروية أو منحدرات التزلج الاصطناعية في الصحارى، التي تهدر موارد المياه العذبة الشحيحة. والمطلوب إعطاء الأولوية لتوزيع استخدامات المياه - بما في ذلك مياه الصرف المعاد تدويرها - مع وضع حاجات الشرب والصحة البشرية وإنتاج الغذاء في المقدمة.

كما كشفت النزاعات المسلَّحة الأخيرة والظواهر المناخية المتطرّفة عن هشاشة الطاقة النووية كمصدر مأمون للطاقة. فمحطات الطاقة النووية، التي تكون عادة كبيرة ومركزية، تمثِّل أهدافاً محتملة في مناطق النزاع، مما يهدد بانقطاع التيار وتسرب إشعاعي قاتل. وهذا شكَّل دائماً تهديداً كبيراً في الحرب الروسية على أوكرانيا، وكذلك في النزاع الأميركي-الإسرائيلي-الإيراني، حيث دُمّرت مفاعلات في إيران، وسقط صاروخ قرب موقع ديمونة النووي في إسرائيل، وكادت طائرة مسيّرة أن تُصيب محطة براكة النووية في الإمارات العربية المتحدة. وإلى جانب تلوُّث النفط الناجم عن الحرب أو الحوادث، قد يشكل الحرّ الشديد تهديداً كبيراً لمحطات تحلية المياه وكذلك للمحطات النووية القائمة والمخطط لها في المنطقة العربية. لذا لا يمكن فصل أمن الطاقة عن أمن المياه.

ولا بدّ من مراقبة نتائج مبادرات التعاون الثنائي، مثل اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، لمعرفة تأثيرها في تسريع التحوُّل إلى الاقتصاد الأخضر. واللافت أنه، رغم النزاعات في الخليج، أُعيد إحياء مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي، بدءاً من المسار الأوروبي-الإماراتي. وكانت هذه المفاوضات قد توقفت عام 2008 بسبب خلافات حول قضايا عدة، بما فيها الإجراءات البيئية. لكن فرص التوصُّل إلى اتفاق أصبحت أعلى بكثير الآن، بعد أن طرأت تطورات كبيرة على الجانبين: فقد تبنى الاتحاد الأوروبي نهجاً أكثر واقعية، بينما دمجت دول الخليج، خاصة الإمارات والسعودية، الاستدامة في خططها التنموية. ومع بدء السعودية تنفيذ رؤيتها الطموحة 2030، اعتمدت الإمارات أجندتها الخضراء لبناء اقتصاد مستدام تنافسي.

لقد كانت الضرائب على واردات الوقود الأحفوري قضية خلافية طويلة في المفاوضات بين مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي. ولي تجربة شخصية في هذا المجال، إذ قدَّمتُ في أوائل التسعينيات استشارة طلبتها وزارة الخارجية لدولة نفطية مشاركة في المفاوضات، اقترحت فيها ألا تعارض الأطراف بشكل قاطع «ضريبة الكربون»، بل تتفاوض على حل وسط. وهذا الحل يقوم على تقاسم عائدات الضريبة، التي تهدف إلى خفض انبعاثات الكربون المسؤولة عن تغيُّر المناخ، بين المنتجين والمستهلكين. فالدول المنتجة للنفط، ومعظمها دول نامية، تحتاج إلى تمويل لتنويع اقتصاداتها بعيداً عن الوقود الأحفوري، كما تحتاج إلى نقل التكنولوجيا والاستثمارات المشتركة لتحقيق هذا الهدف. ورغم أن الأطراف لم تكن مستعدة آنذاك لتأييد هذا النهج، فإن فرصها الآن أفضل بكثير. ويأتي إطلاق الإمارات والسعودية مشاريع كبرى في مجالات الطاقة المتجددة، آخرها البرنامج السعودي لإنتاج الهيدروجين الأخضر وتصديره، دليلاً على النهج الجديد، الذي يستفيد منه المنتِجون والمستهلكون معاً.

وإلى جانب الاتحاد الأوروبي، تُعدّ الصين شريكاً عالمياً طبيعياً للدول العربية في تخضير اقتصاداتها. فبينما تتجه الولايات المتحدة نحو إنتاج واستخدام المزيد من الوقود الأحفوري، بغض النظر عن العلم والتحديات المناخية والمعايير الأخلاقية، قادت الصين التحوُّل في الاتجاه المعاكس، بتعزيز صناعات الطاقة المتجددة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، محققة قفزات نوعية في البطاريات والمركبات الكهربائية. وهذا يهدد بتراجع القدرة التنافسية للولايات المتحدة بعد خمود العواصف. لذا، يبقى تنويع الشراكات، ضمن استقلالية القرار، الضمان لمستقبل مستدام.

 

عودة
افلام الصور اخبار و مقابلات